Facebook Login JavaScript Example

 

 

 
 

> الصفحة الرئيسية - الحكمة - جبران خليل جبران

 

 

وراء وحدتي

 

 

إن وراء وحدتي وحدة أبعد وأقصى.

وما انفرادي للمعتزل فيها سوى ساحة تغص بالمزدحمين.

وما سكوني للساكنين فيها سوى جلبةٍ وضجيج.

إنني حَدَثٌ مضطرب هائم بعد، فكيف أبلغ تلك الوحدة القاصية؟

إن ألحان ذلك الوادي تتموّج في أذني،

وظلاله السوداء تحجب الطريق عن عيني،

فكيف أسير إلى تلك الوحدة العلوية؟

إن وراء هذه الأودية والتلال غابة حبّ وافتتان،

وما سكوني لمن فيها سوى عاصفة هوجاء صماء،

وما افتتاني لعاشقيها سوى انخداع وغرور.

إنني حَدَثٌ مضطرب هائم بعد، فكيف أبلغ تلك الغابة القدسية؟

فإن طعم الدماء لا يزال في فمي،

وقوس أبي ونشابه ما برحا في يدي،

فكيف أسير إلى تلك الوحدة العلوية؟

إن لي وراء هذه الذات السجينة ذاتاً حرة طليقة،

وما أحلامي في عقيدتها سوى حرب في ظلام،

وما رغائبي تجاه رغائبها سوى قرقعة عظام. 

إنني حدث مهان ذليل بعد،

فكيف أكّون ذاتي الحرة الطليقة؟

أجل، كيف أكون ذاتي الحرة الطليقة،

قبل أن أثأر لنفسي فأذبح جميع ذواتي المستبعدة،

أو قبل أن يصير الناس أحراراً طلقاء؟

إذ كيف تطير أوراقي مترنمة فوق الريح،

قبل أن تذوي جذوري في ظلام الأرض؟

بل كيف يحلق نسر روحي طائراً أمام وجه الشمس،

قبل أن تترك فراخي عشّها الذي بنيته لها بعرق وجهي؟

 

 

 

* * *

جبران خليل جبران

شرح المقال

 

 

"إن وراء وحدتي وحدة أبعد وأقصى.

وما انفرادي للمعتزل فيها سوى ساحة تغص بالمزدحمين."

ما هي هذه الوحدة التي خلف وحدة جبران؟ ومن هو المنفرد في تلك الوحدة البعيدة؟
هل يتحدث جبران عن الروح إذ هي صامتة قابعة وحدها في عالم مليء بالضجيج؟؟ أم يتحدث عن شخص ما لديه عقد نفسيه، أو مرض ما معد، لهذا يجلس بعيدا منفردا عن الآخرين؟!
وإذا كان ذلك الكائن بعيداً منفرداً لمّ يتحدث عنه جبران؟ لما لا يتركه في وحدته منعزلاً؟

"إن وراء وحدتي وحدة أبعد وأقصى.

وما انفرادي للمعتزل فيها سوى ساحة تغص بالمزدحمين."

يرى جبران أن خلف وحدته هذه عن العالم الواقعي وساكنيه، وحدة أبعد واقصى.. تلك الوحدة هي أقصى من وحدة جبران التي يعيشها هو.. لأن نفس جبران مليئة بالمزدحمين والأفكار الكثيرة والرغبات والآلام والأشجان. بينما ذلك الذي يسكن في تلك الوحدة القاصية يعيش في سكون وهدوء دون بلبلة أمواج الفكر المتلاطمة.. ولهذا وصف جبران حالة ذلك البعيد (بالوحدة)، أي (التوحيد) أو الحالة التي ليس لها ضد، وبما أنها ليس لها ضد فإنها غير متذبذبة بين اليمين واليسار، بل هي حالة صامتة، هادئة، ساكنة، منسجمة مع ذاتها.

ولكن هل ذلك الساكن في الوحدة هو فرد؟ شخص؟ بشر؟
يقول عن هذا الجانب:

"وما سكوني للساكنين فيها سوى جلبةٍ وضجيج."

فكيف يشير إلى ذلك الكائن مرة بالفرد ومرة بالجمع؟
ما الذي نجده بين العبارتين السابقتين؟

"وما انفرادي للمعتزل فيها"، "وما سكوني للساكنين فيها"

إذن، هناك حالة من السكون التام، يسكنها ساكنون!
ولكن يميز سكنهم عن سكن جبران في تلك الحالة هو ما يصفه بنفسه:

"وما سكوني للساكنين فيها سوى جلبة وضجيج"

ويؤكد لنا ماوجدناه سابقا في قوله:

"إنني حَدَثٌ مضطرب هائم بعد، فكيف أبلغ تلك الوحدة القاصية ؟؟"

إنه يرى تلك الحالة ويسمعها ولكن يعوز الوسيلة إلى هناك.. ويصفها قائلا:

"إن ألحان ذلك الوادي تتموّج في أذني،

وظلاله السوداء تحجب الطريق عن عيني،

فكيف أسير إلى تلك الوحدة العلوية ؟؟

    إن وراء هذه الأودية والتلال غابة حبّ وافتتان،

وما سكوني لمن فيها سوى عاصفة هوجاء صماء،

وما افتتاني لعاشقيها سوى انخداع وغرور.

    إنني حَدَثٌ مضطرب هائم بعد، فكيف أبلغ تلك الغابة القدسية؟"

إن الاحساس عند الشاعر لهو احساس عميق وقوي وشفاف، يختلف عن باقي الناس، وهذا إن كان مفكر أو أديب، ولكن ماذا لو كان شاعر مثالي؟ يتطلع إلى المثالية المجردة. أي المثالية العالية، الكمال العالي الملائكي أو الإلهي؟ الذي قد يفتقد إلى الوسيلة التي توصل المريد إليها.. فتظل هذه المثالية والكمال عبارة عن صورة أو فكرة في الفكر، يحلم بها الساعي، أو الشاعر الذي يرمن بوجودها، وقد يشعر بها: ويسمع ألحانها في أذنه -كما سمع جبران صوت تلك الوحدة القاصية- ولكن يفتقر إلى الوسيلة للوصول إليها.

بل ماذا سيكون حالة إذا كان يفتقر إلى تلك الوسيلة، وأيضاً يحمل في نفسه العقبات و المصاعب؟

"فإن طعم الدماء لا يزال في فمي،

وقوس أبي ونشابه ما برحا في يدي،

فكيف أسير إلى تلك الوحدة العلوية؟"

ويذكر هنا أن له نصيب في تلك الحالة السرمدية الساكنة.. ولكن يصف حاله بأنه لا زال "إنني حدث مهان ذليل[للرغبات] بعد" كما وصفها سابقا "حَدَثٌ مضطرب هائم بعد، فكيف أبلغ تلك الغابة القدسية؟" حيث يرى أن وجوده بين الرغبات، ورغبته في الوصول إلى الحالة السرمدية ظلم، وعليه ان يأخذ الثأر لنفسه حيث يقتص ويقيم الحد و"يذبح":

"أجل، كيف أكون ذاتي الحرة الطليقة،

قبل أن أثأر لنفسي فأذبح جميع ذواتي المستبعدة،"

وهنا لا زال يكتب بصيغة البشر إذ وجد أنه إذا ما قتل ذواته المستعبدة من قبل الشهوات والرغبات والآلام..إلخ، سيصل إلى تلك الذوات السرمدية الواحدة القاصية..
ولا يزال حدث مضطرب هائم بعد..

"إذ كيف تطير أوراقي مترنمة فوق الريح،

قبل أن تذوي جذوري في ظلام الأرض؟

بل كيف يحلق نسر روحي طائراً أمام وجه الشمس،

قبل أن تترك فراخي عشّها الذي بنيته لها بعرق وجهي؟"

* * *

جبران خليل جبران
20-6-2011

 

طباعة الصفحة من أجل طباعة الصفحة، تحتاج إلى قارئ PDF

 

 

 

للاتصال بنا

ahmad@baytalsafa.com

أحمد الفرحان -الكويت.

 

 

 

facebook

أحمد الفرحان

مجموعة الاسقاط النجمي

مجموعة التحكم بالأحلام

 

 

 

 

 

"لو كان الفقر رجل لقتلته" رغم حجم الصدقات التي يدفعها الشعب البترولي. إلا أن لا زال الفقر والمرض والطمع موجود. نحتاج إلى حياة جديدة تنفض الغبار لتنتعش الإنسانية من جديد.

مالك أمانة، فانتبه أين تصرفه.. للسلاح أم للسلام.

 

الدعم المعنوي لا يقل أبدا عن الدعم المادي، لأن كلاهما يعبران عن قدرتنا على صنع واقع صحي جديد.

 

 

____________________________

جميع الحقوق محفوظة بالملح وبعلب صحية